ما يجري اليوم في لبنان لا يمكن قراءته كأزمة محلية معزولة، ولا حتى كجولة تصعيد عابرة. نحن أمام مشهد أوسع بكثير، تتداخل فيه الخيوط من بيروت إلى طهران، وتتحرك فيه الوقائع وفق إيقاع محسوب، لا يخلو من الرسائل والاختبارات.
ما يبدو على السطح مجرد توتر سياسي أو أمني، يخفي في عمقه معركة نفوذ تُدار بهدوء، حيث تتقاطع المفاوضات مع الضغوط، وتُرسم ملامح مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل توازنات المنطقة بأكملها.
الواقع يشير إلى أن لبنان، وتحديدًا حزب الله، بات في صدارة المشهد. ليس لأنه الحالة الوحيدة، بل لأنه الأقرب جغرافيًا إلى إسرائيل، والأكثر تأثيرًا عسكريًا ضمن منظومة النفوذ الإيراني.
ومن هنا، فإن أي محاولة لإعادة تشكيل التوازنات في المنطقة تبدأ عمليًا من هذه النقطة.
لماذا حزب الله أولًا؟
السبب ليس سياسيًا فقط، بل عسكري واستراتيجي بحت. حزب الله يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة، وخبرة قتالية تراكمت منذ 2006 مرورًا بالحرب السورية. وهذا يجعله التهديد المباشر لإسرائيل مقارنة ببقية الأذرع في العراق أو اليمن.
لذلك، حين يُفتح باب التفاوض أو التصعيد، يصبح الهدف الإسرائيلي الواقعي الأول هو تحييد هذا التهديد. الحديث هنا لا يدور فقط عن مواجهة عسكرية، بل عن مسار متكامل: ضغط سياسي، حصار مالي، عمليات أمنية، وربما مواجهة محدودة، كلها تهدف في النهاية إلى نتيجة واحدة: نزع سلاح الحزب، أو تقليص قدرته إلى الحد الأدنى، وتحويله إلى كيان سياسي لا يمتلك قوة عسكرية مستقلة.
ماذا بعد لبنان؟
إذا تحقق هذا الهدف لإسرائيل، فإن المنطق الاستراتيجي يقول إن بقية الأذرع ستدخل في المسار نفسه. العراق، حيث الحشد الشعبي، واليمن حيث الحوثيون، كلها ساحات مرتبطة بنفس المنظومة.
الفكرة هنا بسيطة: بدل مواجهة إيران مباشرة، يتم تفكيك أدواتها أولًا. وعندما تفقد هذه الأدوات فعاليتها، تصبح إيران نفسها أكثر عزلة وأقل قدرة على التأثير.
بمعنى آخر، ما يحدث ليس مواجهة واحدة، بل سلسلة مراحل متتالية، تبدأ من الأطراف وتنتهي في المركز (طهران).
المشكلة الأعمق: الشعارات التي لا تُترجم
لكن بعيدًا عن التحليل العسكري، هناك مشكلة مزمنة في المنطقة: الفجوة بين الخطاب والواقع.
التاريخ القريب مليء بالأمثلة. في مصر قبل 1967، كانت الشعارات تتحدث عن القضاء على إسرائيل، لكن النتيجة كانت هزيمة قاسية. في العراق، تحولت “أم المعارك” إلى حصار وانهيار. في ليبيا، انتهت “الثورة المستمرة” إلى فوضى وانقسام.
المشكلة ليست في رفع الشعارات بحد ذاته، بل في غياب القدرة على تحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ. وهذا ما يتكرر اليوم في أكثر من ساحة.
التناقض في السلوك الإيراني
عند النظر إلى السياسة الإيرانية، يظهر هذا التناقض بوضوح. الخطاب يركز على “نصرة المستضعفين”، لكن التطبيق يختلف من مكان إلى آخر.
في سوريا، تم دعم نظام بشار الأسد عسكريًا وبشكل مباشر، رغم أن المواجهة كانت بين النظام وجزء كبير من شعبه. في المقابل، تم دعم جماعات مسلحة في دول أخرى تحت عنوان “المقاومة”.
هذا يطرح سؤالًا مباشرًا: هل المعيار هو دعم الشعوب فعلًا، أم حماية النفوذ السياسي؟
لماذا لم تُستخدم القوة في اللحظة الحاسمة؟
من أكثر الأسئلة تكرارًا: لماذا لم تُستخدم القدرات العسكرية الكبيرة، خاصة الصواريخ والمسيّرات، في لحظات مصيرية مثل الحرب على غزة؟
التفسير الأقرب للواقع هو أن هذه الأدوات ليست مخصصة لحسم المعارك الكبرى، بل لإدارة توازن الردع. أي أنها تُستخدم كورقة ضغط، وليس كأداة مواجهة شاملة. لأن الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، المدعومة أمريكيًا، يعني فتح حرب إقليمية واسعة، وهو سيناريو مكلف جدًا لإيران.
لكن هذا التفسير، حتى لو كان منطقيًا عسكريًا، لا ينسجم مع الخطاب المعلن، وهنا تتسع الفجوة بين ما يُقال وما يُفعل.
الملف النووي: بين الردع والعقوبات
في ما يتعلق بالبرنامج النووي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. إيران تخصب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60%، وهي نسبة مرتفعة تقنيًا، مع أنها لا تعني امتلاك سلاح نووي.
هذا يضعها في منطقة رمادية: قريبة من القدرة النووية، لكنها لا تعلن امتلاكها. الهدف من ذلك غالبًا هو استخدام البرنامج كورقة ضغط وتفاوض، وليس كخيار نهائي.
لكن النتيجة العملية، كانت فرض عقوبات اقتصادية قاسية، أثرت بشكل مباشر وغير مباشر على الاقتصاد الإيراني، وعلى حياة المواطنين، دون تحقيق اختراق حاسم في ميزان القوة.
أين ذهبت المليارات؟
سؤال آخر لا يقل أهمية: حجم الإنفاق الكبير على الحلفاء في المنطقة.
إيران استثمرت مليارات الدولارات في دعم حلفائها عسكريًا وسياسيًا. لكن عند النظر إلى النتائج، نجد أن هذه الساحات تعاني من أزمات عميقة:
- سوريا خرجت مدمرة اقتصاديًا وبشريًا
- لبنان يعيش انهيارًا ماليًا غير مسبوق
- العراق يعاني من عدم استقرار سياسي
- اليمن ما زال يعاني من حالة الفقر، وحرب مستمرة
وهنا يظهر التناقض بوضوح: حجم الاستثمار كبير، لكن العائد السياسي والاستراتيجي يبدو محدودًا جدًا، أو غير مستقر.
هل تحققت الأهداف الكبرى؟
في النهاية، يجب العودة إلى الأهداف المعلنة:
تحرير القدس، إنهاء إسرائيل، إخراج أمريكا من المنطقة.
حتى الآن، لم يتحقق أي من هذه الأهداف. بل على العكس، الوجود الأمريكي لا يزال قائمًا وبقوة، إسرائيل لم تضعف بالشكل الذي تعكسه الشعارات الرنانة، بل عززت قدراتها وتحالفاتها وحتى احتلالها.
الخلاصة: أزمة في طريقة التفكير
المشكلة، في جوهرها، ليست فقط في النتائج، بل في آلية اتخاذ القرار, نعم.
عندما تُبنى السياسات على مزيج من الأيديولوجيا والرهانات غير المحسوبة، تصبح النتيجة غالبًا "فجوة" بين التوقعات والواقع.
هذه الأسئلة لا تعني تبني موقف سياسي بقدر ما تعني البحث عن تفسير منطقي لما يحدث. لأن استمرار النهج نفسه، مع نتائج متشابهة، يطرح تساؤلًا بديهيًا: هل المشكلة في التوقيت، الظروف، أم في طريقة التفكير نفسها؟
