من يقاتل على أرض لبنان؟ الجنوب ساحة جيوش بلا هوية… وقرار خارج الحدود

 في لحظة مفصليّة من تاريخ لبنان، لا يبدو الجنوب مُجرد جبهة مواجهة، بل مشروعًا قيد التنفيذ… 

من يُقاتل فعلًا على أرض لبنان… ولأجل من

مشروع يُعاد فيه تعريف الأرض، والناس، والقرار. ما يحدث اليوم ليس تفصيلاً عسكريًا عابرًا، بل تحوّل عميق يَطرح سؤالًا خطيرًا: من يُقاتل فعلًا على أرض لبنان… ولأجل من؟

الحديث عن وجود مُقاتلين أجانب في جنوب لبنان لم يعد في إطار التكهنات. الوقائع على الأرض، وتسلسل الأحداث منذ حرب 2024، تشير إلى أن «الحرس الثوري الإيراني» لم يكتفِ بالدعم أو الإسناد، بل انتقل إلى مستوى إدارة العمليات بشكل مباشر، بعد أن تلقّى «حزب الله» ضربات قاسية أصابت بنيته القيادية والعسكرية، وأخرجت من المعادلة أبرز وحداته القتالية، وفي مقدمتها «فرقة الرضوان».

غِياب هذه النخبة لم يكن تفصيلاً. لقد ترك فراغًا ميدانيًا هائلًا، جَرى مَلؤه على عَجَل بعناصر شابة، كثير منها دون الحد الأدنى من الخِبرة القتالية، وبعضها بالكاد بلغ السِن القانونية. 

هؤلاء ليسوا مقاتلين بالمعنى التقليدي، بل وَقود حرب يُدار من خارج الحدود. وهنا تحديدًا، دخل «الحرس الثوري الإيراني» إلى قلب المشهد، ليس كمُستشار، بل كقائد فعلي، يُوجّه، يُخطط، ويُقرر.

لكن الأخطر لا يقف عند حدود السيطرة. ما يجري يتجاوز إعادة تنظيم «حزب الله» إلى إدخال بنية قتالية جديدة، عابرة للحدود وللجنسيات، تُجسّدها «فرقة الإمام الحسين» التي أسسها قاسم سليماني

هذه القوة لم تُصمَّم للبنان، بل وُلدت في سِياق مواجهة «داعش» في سوريا، كتنظيم مضاد بتركيبة مشابهة: مقاتلون من إيران، العراق، سوريا، اليمن، باكستان، وأفغانستان… خليط لا يجمعه وَطن، بل مشروع.

ومع انتهاء مهمتها الأساسية في سوريا، لم تُحلّ هذه الفرقة، بل جرى تدويرها. الوُجهة الجديدة: لبنان.

منذ وقف إطلاق النار في أواخر نوفمبر 2024، بدأت عملية إعادة تركيب المشهد. «الحرس الثوري الإيراني» أمسك مباشرة بملف «حزب الله»، أعاد تنظيم صفوفه، استقدم مدرِبين، وأَدخل عناصر جديدة، بعضُها لبناني حديث التجنيد، وبعضها الآخر مقاتلون أجانب توزّعوا بهدوء في مناطق مختلفة على الأرض، تحت عناوين متعددة، وبعيدًا عن أي رقابة فعلية.

لم يكُن هذا الانتشار عشوائيًا. في طهران، كانت الحسابات أبعد. بعد الضربة الأولى في حزيران/يونيو، والتي استهدفت إيران بشكل مباشر، تبلورت قَناعة بأن المواجهة لم تنتهِ بعد، بل تأجّلت. الجولة الثانية قادمة، والجبهة اللبنانية يجب أن تكونَ جاهزة. وهكذا، وُضعت هذه المجموعات في حالة “انتظار عملياتي”، جاهزة للتفعيل عند الحاجة.

وحين اندلعت الجولة الثانية، لم يتأخر التفعيل. الصواريخ الباليستية التي أُطلقت من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل لم تكن مجرد ردِ فعل، بل رسالة واضحة: الجبهة اللبنانية أصبحت جزءًا عضويًا من المعركة الإيرانية. حتى تبنّي «حزب الله» للعملية لم ينجح في إخفاء حقيقة القرار: من يطلق، ومن يقرر، ومن يدفع.

لكن الخطر الحقيقي لا يُقاس بعدد الصواريخ، بل بما يتراكم تحتها.

وجود مقاتلين أجانب على الأرض اللبنانية، بهويات غير واضِحة، وتنظيمات غير مُعلنة، يفتح الباب أمام سيناريو بالغ الخطورة: تحويل الجنوب إلى مِساحة سائبة أمنيًا، شبيهة بنماذج عرفتها المنطقة، حيث تتحول الأراضي إلى ملاذ لمجموعات مسلحة تعمل خارج أي إطار سِيادي.

المشكلة ليست فقط في وجودهم، بل في غموضهم. من هم؟ كيف دخلوا؟ أين يتمركزون؟ هل يعملون ضِمن هيكلية موحدة أم ضِمن خلايا منفصلة؟ هل يخضعون لقيادة مركزية أم لنظام شبكي لامركزي؟ 

الأسئلة أكثر من الأجوبة، وهذا بحد ذاته مؤشر خطِر.

التمويل معروف المصدر: «الحرس الثوري الإيراني». لكن طرق وصول الأموال، وآليات إصدار الأوامر، تبقى خارج أي رقابة. الأخطر هو ما بعد الحرب: ماذا سيحدث لهذه المجموعات؟ هل ستغادر؟ أم ستتحول إلى خلايا نائمة تنتظر إشارة تفعيل جديدة؟

هنا، يدخل لبنان منطقة رمادية شديدة الحساسية. هذه المجموعات قد تتحول إلى أدوات ضغط داخلية، تُستخدم عند الحاجة، عبر تفجيرات أو عمليات أمنية أو حتى هجمات انتحارية. وفي الوقت نفسه، تبقى الجبهة الجنوبية مفتوحة على احتمالات تصعيد دائم، ما يعني استنزافًا مستمرًا للبِلاد.

التجربة السورية ليست بعيدة. حين فُتحت الأبواب أمام المقاتلين الأجانب تحت عناوين مرحلية، انتهى الأمر بدولة مُنهكة، مجتمع ممزق، واقتصاد منهار. الأرض التي تحوّلت إلى ساحة صراع لم تعد قادرة على استعادة نفسها بسهولة.

اليوم، الجنوب اللبناني يقف على حافة المسار نفسه.

المفارقة أن «حزب الله»، والذي يُفترض أنه صاحب القرار في هذه الجغرافيا، يبدو فاقدًا له. بعد اغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله، لم يعد الحزب كما كان. تحوّل تدريجيًا من لاعب محلي إلى أداة ضمن مشروع إقليمي أكبر، حيث الأولويات لا تُرسم في بيروت، بل خارجها.

وهنا تكمن العقدة الأساسية: إذا كان إدخال هذه المجموعات قد تم بقرار خارجي، فهل يملك أحد في الداخل القُدرة على إخراجها؟

السؤال ليس نظريًا. إنه جوهر الأزمة المقبلة. لأن ما يدخل إلى الجغرافيا اللبنانية تحت عنوان “حماية” أو “إسناد”، لا يخرج بسهولة. وغالبًا، يترك وراءه واقعًا جديدًا، أكثر تعقيدًا… وأخطر بِكثير.


نرجو مراعاة أداب التواصل

أحدث أقدم

نموذج الاتصال