في الشرق الأوسط، لا شيء يحدث صدفة. وما يبدو اليوم تحشيدًا عسكريًا أمريكيًا في الخليج، بالتوازي مع تحركات سياسية وعسكرية عربية مقلقة، يوحي بأن المنطقة تقف عند لحظة مفصلية قد تعيد رسم خرائط النفوذ، وربما خرائط الدول أيضًا.
رغم كل الحديث عن وساطات، ومفاوضات، ورسائل متبادلة بشأن وقف الحرب مع إيران، فإن الوقائع على الأرض تقول شيئًا مختلفًا تمامًا: واشنطن لا تتحرك، كمن يستعد لتسوية، بل كمن يتهيأ لمرحلة حسم.
بحسب ما كشفته نيويورك تايمز نقلًا عن مسؤول أمريكي، دفعت إدارة الرئيس دونالد ترامب بأكثر من خمسين ألف جندي إلى الشرق الأوسط، مدعومين بحاملات طائرات، ومدمرات بحرية، ووحدات من مشاة البحرية، وطائرات قتالية، في إطار مهمة معلنة عنوانها:
شلّ البرنامج الصاروخي الإيراني وتفكيك قدراته الردعية.
لكن ما لا يُقال صراحة قد يكون أخطر مما يُعلن.
فالانتشار الأمريكي لا يبدو دفاعيًا فقط، بل يحمل مؤشرات واضحة إلى استعداد لسيناريوهات هجومية متعددة، تشمل قوات النخبة المحمولة جوًا، ووحدات العمليات الخاصة، وحتى خططًا محتملة تستهدف منشآت نووية حساسة مثل موقع أصفهان.
هرمز... من ورقة إيرانية إلى فخ أمريكي
على مدى عقود، اعتبرت طهران مضيق هرمز سلاحها الاستراتيجي الأهم.
مجرد التلويح بإغلاقه كان كفيلًا بإرباك الأسواق العالمية ورفع أسعار النفط وفرض حضور إيران على طاولة التفاوض.
لكن المشهد انقلب.
اليوم، لم يعد المضيق ورقة ضغط إيرانية، بل تحول تدريجيًا إلى أداة حصار أمريكية مضادة.
عشرات السفن الإيرانية أصبحت عمليًا تحت المراقبة، وبعضها عالق داخل نطاقه البحري، فيما تبدو واشنطن وكأنها تقول لطهران: إذا أردتِ استخدام الجغرافيا كسلاح، فسنجعلها ضدك.
هذا التحول لا يقتصر على الملاحة.
إنه إعادة تعريف كاملة لمفهوم الردع: من منع الخصم من الهجوم، إلى منعه من التنفس.
وتحت هذا الضغط، تبدو إيران أمام معادلة قاسية:
اقتصاد يختنق، موارد تتآكل، نفوذ إقليمي يتراجع، وأذرع بدأت تشعر بندرة التمويل والغطاء.
هل بدأت مرحلة “الاختناق الكبير”؟
في طهران، يدرك الجناح المتشدد أن هامش المناورة يضيق.
فالرهان على التصعيد البحري لم يعد كافيًا، والرهان على وكلاء المنطقة لم يعد مضمونًا كما كان.
أما داخل النظام، فالسؤال الذي يُطرح همسًا أصبح واضحًا:
هل التراجع الآن أقل كلفة من الانفجار لاحقًا؟
ذلك هو جوهر المأزق الإيراني.
وماذا تفعل مصر في هذا المشهد؟
بعيدًا عن الجبهة الإيرانية، برز مشهد آخر أثار علامات استفهام واسعة:
ظهور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جانب رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، في خلفية تحمل رمزية عسكرية واضحة؛ طائرات مقاتلة مصرية، عناصر من القوات الجوية، وضباط على الأراضي الإماراتية.
السؤال ليس في الزيارة نفسها.
السؤال: ما طبيعة هذا الوجود العسكري؟
هل نحن أمام تدريب مشترك؟
انتشار دفاعي؟
رسالة ردع؟
أم انخراط فعلي في ترتيبات أمنية جديدة لا يعلم عنها الرأي العام المصري شيئًا؟
الصمت الرسمي المصري هنا ليس تفصيلًا.
في الملفات السيادية، الغموض قد يكون أحيانًا ضرورة. لكن حين يتعلق الأمر بإمكانية انخراط الجيش المصري في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، خصوصًا في ظل وجود تنسيق أمني إماراتي إسرائيلي معروف، فإن الغموض يتحول إلى أزمة ثقة.
هل يمكن أن تجد القاهرة نفسها، ولو بصورة غير مباشرة، داخل منظومة دفاعية تتقاطع مع إسرائيل ضد إيران؟
السؤال صادم. لكنه مشروع.
ما الذي يتشكل فعلًا؟
المشهد الأوسع يوحي بأن المنطقة تدخل مرحلة تحالفات اضطرارية جديدة.
واشنطن تعيد تموضعها.
الخليج يعيد ترتيب دفاعاته.
إيران تُدفع نحو الزاوية.
ومصر، على ما يبدو، تُستدعى إلى أدوار أكبر من مجرد المراقبة.
هذا ليس مجرد تصعيد عابر.
إنه انتقال من منطق “إدارة الأزمات” إلى منطق “إعادة هندسة النظام الإقليمي”.
والسؤال الحقيقي لم يعد: هل ستقع المواجهة؟
بل أصبح: أي شرق أوسط سيخرج منها؟

