لماذا لا تضرب واشنطن إيران الآن؟ الإجابة تكشف الخطة الأخطر

 في السياسة الدولية، نادرًا ما تكون التصريحات المباشرة مجرد تصريحات. 

حين يقول دونالد ترامب إن استئناف العملية العسكرية ضد إيران “مسألة وقت”، وأن واشنطن “ليست مستعجلة”، فالمسألة لا تُقرأ باعتبارها تهديدًا عابرًا، بل باعتبارها إعلانًا ضمنيًا بأن ساعة المواجهة لم تحن بعد… لأن المسرح لم يكتمل تجهيزه.

الخطة الأخطر بدأت

السؤال الحقيقي ليس: هل ستقع الحرب؟

السؤال هو: ما الذي تنتظره واشنطن قبل أن تضغط على الزر؟

المعطيات المتراكمة تشير إلى أن ما يجري يتجاوز بكثير فكرة توجيه ضربة عسكرية محدودة ضد البرنامج النووي الإيراني. نحن أمام عملية إعادة ترتيب إقليمي واسعة، تبدأ من طهران، لكنها لا تنتهي عندها.

أول المؤشرات يتمثل في التحضير العسكري الأميركي المباشر. 

عبور الغواصة النووية الأميركية USS Alaska مضيق جبل طارق باتجاه شرق المتوسط ليس تفصيلاً عسكريًا هامشيًا، بل رسالة استراتيجية واضحة: واشنطن تعيد تموضع قوتها الضاربة في مسرح العمليات الأقرب إلى إيران.

الهدف الأول، بلا شك، هو البرنامج النووي الإيراني. لكن الهدف الثاني لا يقل أهمية وهو: المنظومة الصاروخية الإيرانية بعيدة المدى، وهي العقدة التي لم تُحسم بالكامل في المواجهات السابقة.

هنا يظهر سؤال مهم: لماذا لم تُحسم هذه المسألة سابقًا؟

الجواب يبدو مرتبطًا بنوع خاص من السلاح: القنابل الخارقة للتحصينات، المصممة لتدمير المنشآت العميقة تحت الأرض. 

هذه الذخائر محدودة العدد، وتُعد موردًا استراتيجيًا نادرًا، ما يعني أن استخدامها لا يُقرر فقط وفق الحاجة العسكرية، بل وفق حسابات أوسع: هل تستطيع واشنطن تحمل فتح أكثر من جبهة في الوقت نفسه؟

هذا يفسر، جزئيًا، سبب أهمية التفاهم الأميركيالصيني.

زيارة ترامب إلى الصين لا يمكن قراءتها فقط من زاوية العلاقات الثنائية أو الاقتصاد. ما يبدو مطروحًا هو تفاهم ضمني يمنع انفجارًا متزامنًا في جنوب آسيا أو المحيط الهادئ أثناء انشغال الولايات المتحدة في الخليج. 

ببساطة: أميركا لا تريد حربًا مع إيران بينما ظهرها مكشوف في آسيا.

بالتوازي، تعمل واشنطن على بناء ما يمكن وصفه بـ”المظلة القانونية” للحرب.

التحركات البريطانية والفرنسية لتجميع قوة بحرية وجوية متعددة الجنسيات قرب مضيق  هرمز لا تُفهم فقط كاستعداد قتالي، بل كجزء من هندسة سياسية تهدف إلى تحويل أي تدخل عسكري إلى عملية “دفاع جماعي”، لا “هجوم أحادي”.

هذا فارق بالغ الأهمية.

إذا أمكن تقديم العملية باعتبارها دفاعًا عن أمن الملاحة الدولية والطاقة العالمية، يصبح من الأسهل تسويقها دبلوماسيًا وإشراك أطراف عربية وخليجية فيها.

لكن إيران تدرك هذا جيدًا، ولذلك تحاول قلب الطاولة قانونيًا. لجوؤها إلى محكمة العدل الدولية، وتهديدها برفع تخصيب اليورانيوم إلى 90% إذا تعرضت لضربة، يعني أن طهران تخوض المعركة على جبهتين: الميدان، والرواية.

في المقابل، جاءت القراءة الروسية أكثر صراحة.

سورغي لافروف لمح إلى أن أحد أهداف واشنطن هو منع أي تقارب مستقبلي بين إيران والعالم العربي، عبر دفع الطرفين إلى مواجهة مباشرة. بمعنى آخر: المطلوب ليس فقط ضرب إيران، بل تحويلها إلى خصم عربي دائم.

وهنا تبدأ الصورة بالتعقّد.

لماذا تُسرّب إسرائيل الآن معلومات عن زيارات مزعومة للموساد إلى الإمارات العربية خلال الحرب؟

لماذا يُسلَّط الضوء على تعاون أمني إماراتيإسرائيلي ضد أهداف إيرانية؟

ولماذا تُعاد فجأة إلى الواجهة أخبار عن توترات بين السعودية وإيران، أو عن تحركات إيرانية قرب الكويت؟

الجواب المرجح: تهيئة الرأي العام لفكرة أن العرب باتوا جزءًا من المعركة.

بمعنى آخر، المطلوب ليس فقط حربًا أميركيةإسرائيلية ضد إيران، بل حرب تبدو إقليميًا وكأنها مواجهة عربيةإيرانية.

هذا أخطر ما في المشهد.

لأن ما يلي الحرب قد يكون أهم من الحرب نفسها.

إسرائيل لا تخفي مشروعها الاقتصادي–الجيوسياسي القائم على ربط الهند بالخليج، مرورًا بموانئ الإمارات، ثم عبر البحر الأحمر نحو أوروبا، مع جعل الموانئ الإسرائيلية مركز الثقل الجديد لهذا المسار.

هذا ليس مجرد مشروع تجاري.
إنه مشروع لإعادة تعريف مركزية المنطقة.

من يسيطر على طرق التجارة، يملك النفوذ السياسي.

ومن هنا يصبح مفهومًا لماذا يُعاد تسخين التوترات العربيةالعربية في هذا التوقيت، خصوصًا بين مصر والجزائر.

الدولتان تمثلان، فعليًا، أحد أهم مراكز التوازن العربي في شمال أفريقيا، وتجمعهما حساسية مشتركة تجاه الفوضى المسلحة الممتدة من السودان إلى ليبيا وصولًا إلى مالي.

أي شرخ بين القاهرة والجزائر اليوم لن يكون مجرد خلاف دبلوماسي، بل استثمار استراتيجي في تفكيك أي اصطفاف عربي محتمل لاحقًا.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى.

قد تكون مصر اليوم داخل تحالف تقوده واشنطن ضد إيران، لكن هذا لا يعني أن خرائط ما بعد الحرب ستُبقي التحالفات كما هي.

في الشرق الأوسط، التحالفات ليست عقود زواج… بل ترتيبات مؤقتة.

ما يجمع الأطراف اليوم ضد إيران، قد يفرقهم غدًا حول خرائط النفوذ، الممرات التجارية، وموازين القوة الجديدة.

لهذا، قد لا تكون الحرب المقبلة مجرد مواجهة مع إيران.

فقد تكون الفصل الأول فقط.

أما الفصل الثاني… فقد يكون عربيًا بالكامل.


مهند الكثيري مدير مكتب دبي
مهند الكثيري
مدير مكتب دبي


اقرأ أيضا": سجن الرعب الإيراني.. هل يهتزّ “صيدنايا طهران”؟

نرجو مراعاة أداب التواصل

أحدث أقدم

نموذج الاتصال