حين يصبح “النفوذ الوهمي” أقوى من الدولة.. ماذا تكشف فضيحة “العقيد العراقي” عن لبنان؟

 المشكلة في لبنان لم تعد فقط في وجود “محتال” ينتحل صفة أمنية أو سياسية، بل في البيئة التي تسمح له بأن يصبح مقنعاً إلى هذا الحد.

يظهرالعقيد الوهمي بعدما كان يمارس مخططاته الوهمية ويحيك مكائده

 فحين يتمكن شخص عادي من دخول دوائر حساسة عبر بزّة عسكرية وصور وادعاءات بالنفوذ، فإن القضية تتجاوز فضيحة فردية لتتحول إلى مؤشر خطير على هشاشة بنيوية داخل مؤسسات يفترض أنها الأكثر تحصيناً.

قضية “العقيد العراقي الوهمي” لم تصدم اللبنانيين لأنها حادثة احتيال فحسب، بل لأنها أعادت فتح جرح أعمق: كيف يمكن لشخص مجهول أن يتحرك لسنوات بين شخصيات أمنية وسياسية وإدارية من دون أن يُكشف أمره إلا بعد تدخل خارجي؟

لبنان.. بلد الهالة قبل الحقيقة

قبل أشهر فقط، كان اللبنانيون يتابعون قصة “أبو عمر”، الرجل الذي قدّم نفسه على أنه أمير سعودي، ونجح في نسج شبكة علاقات واسعة مع شخصيات سياسية ودينية وإعلامية ورجال أعمال.

اليوم، يتكرر المشهد تقريباً، لكن هذه المرة بوجه مختلف: “عقيد عراقي” مزعوم، يرتدي بزّة عسكرية، يلتقط الصور مع مسؤولين، ويتحدث بثقة عن صفته الأمنية وعلاقاته الرسمية.

المقلق هنا ليس مجرد انتحال الصفة، بل قابلية البيئة اللبنانية لتصديق هذا النوع من الشخصيات بسرعة مذهلة. 

فالمشهد يوحي وكأن المظهر في لبنان بات أحياناً أقوى من المؤسسات نفسها، وأن صورة مع مسؤول أو حديثاً عن علاقات خارجية قد يكون كافياً لفتح الأبواب.

ماذا تقول الوقائع؟

الثابت حتى الآن، وفق ما أعلنه الجيش اللبناني، هو توقيف رجل عراقي يُشتبه بانتحاله صفة مسؤول أمني عراقي داخل لبنان، مع استخدامه مستندات مزورة وبزة عسكرية.

لكن ما يتم تداوله إعلامياً يفتح الباب أمام أسئلة أكبر بكثير. فالرجل، الذي عُرف باسم “طارق الحسيني”، عاش في لبنان لسنوات، وتزوج من لبنانية، وعمل في محل حلويات في خلدة، فيما كان في الوقت نفسه يقدّم نفسه بصفة “عقيد” أو مسؤول عن أمن السفارة العراقية.

والأخطر أنه نجح، بحسب الروايات المتداولة، في بناء شبكة علاقات داخل أوساط أمنية وإدارية، وظهر في صور مع شخصيات رسمية، قبل أن تبدأ الشكوك حول هويته الحقيقية.

لماذا يتكرر المشهد؟

المفارقة أن قضية “العقيد الوهمي” جاءت مباشرة بعد فضيحة “الأمير السعودي الوهمي”، وكأن لبنان دخل مرحلة جديدة يصبح فيها انتحال النفوذ أسهل من امتلاكه فعلاً.

هذا التكرار لا يبدو عابراً. فكلتا الحادثتين تكشفان خللاً واضحاً في آليات التدقيق والتحقق، لكنهما تكشفان أيضاً أزمة أعمق مرتبطة بطبيعة النظام اللبناني نفسه.

في بلد تتوزع فيه المؤسسات بين الولاءات والانقسامات والتجاذبات، تصبح “الهالة” أحياناً أكثر تأثيراً من الحقيقة، ويصبح النفوذ الخارجي أو الأمني المزعوم وسيلة سريعة لاختراق البيئات الحساسة.

أخطر من المحتال نفسه

ربما يكون السؤال الأخطر في هذه القضية ليس: “من هو العقيد الوهمي؟”، بل: لماذا صُدّق بسهولة؟

الإعلامي ريكاردو كرم لامس جوهر الأزمة حين اعتبر أن المشكلة ليست فقط في من ينتحل الصفة، بل في القابلية لتصديق المظهر قبل التحقق من الحقيقة.

وهنا تكمن المعضلة اللبنانية الحقيقية. فالدول القوية لا تُختبر فقط بقدرتها على توقيف المحتالين، بل بقدرتها على منعهم أساساً من الوصول إلى هذه المساحات.

أما حين يصبح الوصول إلى شخصيات أمنية أو سياسية ممكناً عبر صورة، أو بزّة، أو رواية عن علاقات خارجية، فهذا يعني أن الخلل لم يعد فردياً، بل تحول إلى جزء من الثقافة السياسية والإدارية نفسها.

هل نحن أمام هشاشة أمنية؟

الردود الغاضبة التي اجتاحت مواقع التواصل بعد القضية لم تكن مبالغاً فيها. فالرأي العام اللبناني بات يشعر بأن هناك ثغرات حقيقية تسمح لشخصيات غامضة بالتنقل بين السياسة والأمن والإعلام بسهولة مقلقة.

صحيح أن بعض الأجهزة الأمنية سارعت إلى نفي روايات معينة، وأكدت أن بعض اللقاءات كانت بروتوكولية وعابرة، لكن الضرر المعنوي وقع بالفعل.

فمجرد نجاح شخص منتحل صفة في الوصول إلى هذه الدوائر، ولو لفترة محدودة، يكفي لإثارة الشكوك حول فعالية أنظمة التحقق والتنسيق بين المؤسسات.

ما بعد الفضيحة

التحقيقات لا تزال جارية، وقد تكشف لاحقاً تفاصيل أكثر حساسية تتعلق بطبيعة تحركات الرجل والأهداف الحقيقية وراء انتحاله الصفة.

لكن بغض النظر عن نتائج التحقيق، فإن القضية وضعت لبنان مجدداً أمام مرآة مؤلمة: دولة تعاني ضعف الثقة بالمؤسسات، وتعيش حالة إنهاك سياسي وأمني تجعلها أكثر قابلية للاختراق، ليس فقط من أجهزة أو تنظيمات، بل حتى من أفراد يجيدون لعب دور النفوذ.

خلاصة

  • قضية “العقيد العراقي الوهمي” أعادت الجدل حول هشاشة التدقيق الأمني في لبنان.
  • الرجل نجح في نسج علاقات داخل أوساط أمنية وسياسية عبر صفة مزورة.
  • الحادثة أعادت للأذهان فضيحة “أبو عمر” منتحل صفة الأمير السعودي.
  • الأزمة تبدو أعمق من مجرد عملية احتيال فردية، وتمس بنية الثقة داخل المؤسسات.
  • السؤال الأخطر لم يعد كيف انتحل الصفة، بل لماذا جرى تصديقه بهذه السهولة.
وسام المصري رئيس التحرير
وسام المصري
رئيس التحرير

نرجو مراعاة أداب التواصل

أحدث أقدم

نموذج الاتصال