بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب الأكثر دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إشارات غير مسبوقة بشأن اقتراب نهاية الحرب في أوكرانيا. لكن خلف هذه التصريحات، تتكشف حسابات سياسية وعسكرية واقتصادية معقدة قد تعكس تحولاً حقيقياً في موقف موسكو أو محاولة جديدة لإدارة الصراع بشروط مختلفة.
بوتين: الحرب تقترب من نهايتها
أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الحرب في أوكرانيا “تقترب من نهايتها”، مشيراً إلى استعداد موسكو لإجراء محادثات مباشرة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، سواء في موسكو أو في دولة محايدة.
وجاءت تصريحات بوتين عقب احتفالات “يوم النصر” في موسكو، حيث شدد على أن أي لقاء مع زيلينسكي يجب أن يكون “المرحلة النهائية” لإقرار اتفاق سلام شامل، وليس مجرد خطوة تفاوضية عابرة.
وفي الوقت نفسه، واصلت روسيا وأوكرانيا التزامهما بهدنة قصيرة مدتها ثلاثة أيام برعاية أمريكية، بالتزامن مع استمرار مناقشات تبادل الأسرى، رغم بقاء خطوط القتال مشتعلة ووقوع عشرات الاشتباكات خلال الساعات الماضية.
موسكو تطرح شرودر كوسيط أوروبي
وفي تطور لافت، اقترح بوتين المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر كوسيط أوروبي محتمل في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، مؤكداً أنه “يفضل الحديث معه أكثر من أي سياسي أوروبي آخر”.
ويُعد شرودر من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في ألمانيا بسبب علاقته الوثيقة ببوتين ودوره السابق في شركات الطاقة الروسية بعد مغادرته الحياة السياسية.
ورغم الانتقادات الغربية الواسعة، لا يزال بوتين يعتبره شريكاً يمكن الوثوق به في أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية مع أوروبا.
لماذا يتحدث بوتين عن إنهاء الحرب الآن؟
تأتي هذه التصريحات في لحظة تبدو فيها موسكو تحت ضغوط متزايدة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي.
فالحرب التي بدأت في فبراير 2022 تحولت إلى استنزاف طويل الأمد، أرهق الاقتصاد الروسي وأدى إلى عقوبات غربية واسعة، بينما لا تزال القوات الروسية تواجه صعوبة في فرض سيطرة كاملة على منطقة دونباس شرقي أوكرانيا.
في المقابل، لم تتمكن الهجمات الأوكرانية المضادة من استعادة المناطق الرئيسية التي سيطرت عليها روسيا، ما خلق حالة من الجمود العسكري المكلف للطرفين.
ويرى محللون أن بوتين ربما بات أكثر استعداداً لتجميد الحرب أو تعليقها مؤقتاً، خصوصاً مع تزايد الرغبة الأمريكية في فرض هدنة وفتح مسار سياسي جديد.
ترامب يدخل مجدداً على خط الأزمة
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاد بدوره إلى واجهة الملف الأوكراني، بعدما دعم علناً الهدنة الأخيرة بين موسكو وكييف، معتبراً أنها قد تكون “بداية النهاية” للحرب.
كما أشاد بوتين بالمبادرات الأمريكية المتعلقة بتبادل الأسرى ووقف إطلاق النار، معتبراً أن الإدارة الأمريكية الحالية تُظهر رغبة حقيقية في إنهاء النزاع.
لكن رغم ذلك، لا تزال العقبات الأساسية قائمة، إذ تصر روسيا على السيطرة الكاملة على دونباس ورفض انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، بينما ترفض كييف أي تنازل عن أراضيها وتطالب بضمانات أمنية واضحة ضمن أي اتفاق مستقبلي.
التصعيد مستمر رغم الحديث عن السلام
ورغم النبرة الإيجابية الظاهرة في تصريحات موسكو، فإن الواقع الميداني لا يزال بعيداً عن التهدئة الكاملة.
فالهجمات الروسية الأخيرة أسفرت عن سقوط قتلى في أوكرانيا، فيما تستمر الاشتباكات العنيفة على عدة جبهات، ما يعكس الفجوة الكبيرة بين الخطاب السياسي والمشهد العسكري على الأرض.
كما تتهم موسكو الغرب بمواصلة “تصعيد المواجهة” عبر الدعم العسكري لكييف، بينما تؤكد الدول الغربية أن استمرار الضغط على روسيا ضروري لمنعها من فرض شروطها بالقوة.
قراءة تحليلية: هل اقتربت النهاية فعلاً؟
رغم أن تصريحات بوتين تبدو أكثر مرونة من السابق، إلا أن كثيراً من المراقبين يتعاملون معها بحذر شديد.
فالكرملين سبق أن أطلق إشارات مشابهة خلال الأشهر الماضية دون أن تتحول إلى اختراق سياسي حقيقي، فيما يعتقد خبراء أن موسكو تسعى حالياً إلى تثبيت مكاسبها العسكرية وتخفيف الضغوط الاقتصادية أكثر من سعيها لإنهاء الحرب بشكل كامل.
ومع استمرار الخلافات الجوهرية بين موسكو وكييف، تبدو أي تسوية شاملة ما تزال بعيدة، حتى لو بدأت الأطراف بتهيئة الأرضية لهدنة أطول أو تفاهمات إنسانية محدودة.
أبرز النقاط
- بوتين أكد أن الحرب في أوكرانيا “تقترب من نهايتها”.
- موسكو أبدت استعدادها لحوار مباشر مع زيلينسكي.
- بوتين طرح غيرهارد شرودر كوسيط أوروبي محتمل.
- واشنطن تدفع نحو هدنة وتبادل أسرى بين الطرفين.
- الخلافات حول الأراضي والناتو لا تزال تعرقل أي اتفاق شامل.
- المعارك مستمرة رغم التصريحات السياسية الإيجابية.
