الإخوان والماسونية: تفكيك البعد الخفي في نشأة الجماعة وسيرة حسن البنا

 مدخل: بين السردية التقليدية ومحاولات التفكيك

يثير الحديث عن أصول مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، جدلًا ممتدًا بين الرواية الرسمية التي تقدّمه كابن بيئة مصرية ريفية خالصة، وبين قراءات مغايرة تسعى إلى إعادة تتبع جذوره عبر شواهد تاريخية واجتماعية ورمزية. هذه القراءة لا تكتفي بالسرد، بل تحاول تفكيك التفاصيل الدقيقة: من النسب العائلي، إلى البيئة الاجتماعية، وصولًا إلى البنية التنظيمية والرمزية التي أسّس عليها مشروعه.

المركز العام لجماعة الأخوان المسلمين


أولًا: لغز النسب… هل للعائلة جذور راسخة في شمشيرة؟

تبدأ القصة من قرية شمشيرة التابعة لمركز في محافظة كفر الشيخ، حيث يُقال إن والد حسن البنا، أحمد عبد الرحمن، وُلد هناك قبل أن ينتقل لاحقًا إلى المحمودية. غير أن التتبع الميداني – وفق الرواية المطروحة – يطرح تساؤلات جوهرية:
أين مقابر العائلة؟

في الريف المصري، تُعد المقابر دليلًا حاسمًا على الامتداد العائلي؛ إذ يُدفن الأب والجد والأجداد في نفس الأرض. لكن البحث – كما يُقال – لم يكشف عن وجود مقابر تحمل اسم العائلة، ولا عن امتداد واضح لعائلة "البنا" في شمشيرة. هذه الفجوة تُستخدم كقرينة على أن العائلة لم تكن متجذرة في هذه البيئة.

الأمر نفسه يتكرر في المحمودية، حيث استقر أحمد عبد الرحمن لاحقًا، وعمل في إصلاح الساعات، وقدّم نفسه بصفته شيخًا، رغم أن تعليمه كان محدودًا في إطار الكُتّاب. ومع ذلك، لم يظهر أيضًا أي أثر لمقابر العائلة هناك، ما يعزز فرضية الغياب الجذري.


ثانيًا: شهادة الذاكرة الشعبية… العائلة الغريبة

تستند هذه القراءة كذلك إلى روايات شفوية، من بينها ما نُقل عن جمال البنا، شقيق حسن البنا، خلال الحرب العالمية الثانية. إذ يُروى أنه حاول مع شقيقته العودة إلى شمشيرة، لكن الاستقبال لم يكن وديًا، ما يعكس – وفق التحليل – أن العائلة لم تكن مندمجة اجتماعيًا، وربما كانت تُعامل ككيان غريب.

في القرى المصرية، الانتماء مسألة راسخة؛ فمن ينتمي لا يُقابل بالرفض في موطنه الأصلي. لذلك، يُقرأ هذا السلوك كإشارة إضافية إلى أن جذور العائلة لم تكن مستقرة في تلك البيئة.


ثالثًا: تتبع السلالة… من “عبد الرحمن المهدي” إلى الأندلس

عند العودة إلى ما كتبه والد حسن البنا نفسه، يظهر اسم "عبد الرحمن المهدي" كجد أعلى. ولقب "المهدي" هنا يفتح باب التأويل، إذ يُستخدم أحيانًا للدلالة على من اعتنق الإسلام حديثًا، وإن لم يكن ذلك قاعدة مطلقة.

ومن هنا، يمتد التحليل إلى فرضية أوسع: أن السلالة تعود إلى الأندلس، وتحديدًا إلى فترة سقوط غرناطة. إذ يُقال إن أحد الأجداد كان يعمل في ديوان الحسابات لدى آخر ملوكها، ثم فرّ إلى المغرب بعد سقوطها، حيث استمر في العمل في حسابات قصور الحكم.

وفي القرن التاسع عشر، خلال عهد السلطان الحسن الأول (1873)، يُروى أن هذا الجد – عبد الرحمن – اضطر إلى الفرار مجددًا، متجهًا إلى مصر.


رابعًا: من الإسكندرية إلى شمشيرة… بداية الغرابة

عند وصوله إلى الإسكندرية، يُقال إنه أقام بالقرب من مسجد أبي العباس المرسي، حيث تعرّف على أحد شيوخ الكتاتيب في شمشيرة. وبفضل مهارته في الحساب، انتقل للعمل هناك.

لكن وجوده في القرية لم يكن طبيعيًا؛ فقد لفتت ملامحه وسلوكياته انتباه السكان، واعتُبر غريبًا عنهم. ومع مرور الوقت، ترسخت هذه النظرة، ما انعكس على وضع العائلة لاحقًا.

المفارقة الأبرز أن هذا الجد اختفى لاحقًا دون أثر واضح: لا قبر معروف، ولا سجل دفن، ما يفتح احتمال عودته إلى المغرب ووفاته هناك، تاركًا ابنه أحمد عبد الرحمن في مصر.


خامسًا: التحول من “المهدي” إلى “البنا”… دلالة الاسم

أصول مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا

تشير هذه القراءة إلى أن اسم "البنا" لم يكن اللقب الأصلي للعائلة، بل تم اعتماده لاحقًا بدلًا من "المهدي". ويُستدل على ذلك من خلال توقيعات جمال البنا في بداياته، حيث استخدم اسم "جمال أحمد عبد الرحمن" دون لقب "البنا".

لاحقًا، جرى تثبيت "البنا" كلقب عائلي رسمي، وهو ما يُقرأ كتحول مقصود. ويُربط هذا الاسم بدلالات "البنّائين" الأحرار، وهو مصطلح يحمل حضورًا في الأدبيات الماسونية.


سادسًا: لماذا “الجماعة” وليس “الجمعية”؟

في سياق تأسيس التنظيم، يبرز اختيار اسم "جماعة الإخوان المسلمين" بدلًا من "جمعية" كما كان شائعًا آنذاك (مثل الجمعية الشرعية أو أنصار السنة).

مصطلح "الجماعة" لم يكن يُستخدم ككيان مستقل، بل ضمن تعبيرات مثل "أهل السنة والجماعة". لذلك، يُنظر إلى هذا الاختيار كتحول دلالي يعكس رغبة في بناء كيان مغلق ومتمايز.


سابعًا: الشعار والرمز… قراءة في الدلالات البصرية

اعتمدت الجماعة شعارًا يتضمن سيفين ومصحفًا وكلمة "وأعدوا". في ذلك الوقت، لم تكن الثقافة التنظيمية المصرية تميل إلى استخدام الشعارات المرسومة.

عند تحليل الشكل الهندسي للشعار، يُطرح أنه يمكن أن يتقاطع مع النجمة الخماسية، وهي رمز معروف في الماسونية، ما يضيف بُعدًا تأويليًا جديدًا.


ثامنًا: “الأستاذ” و”أستاذية العالم”… مصطلحات لافتة

استخدام لقب "الأستاذ" داخل الجماعة كان غير مألوف؛ إذ كان هذا اللقب مرتبطًا بالمحامين في ذلك الزمن. كما أن مفهوم "أستاذية العالم" يفتح باب المقارنة مع مصطلحات ماسونية مثل "الأستاذ الأعظم".


تاسعًا: البيعة… من الإطار الديني إلى الطقس التنظيمي

تُعد "البيعة" من أكثر النقاط إثارة للجدل. إذ لم يكن شائعًا أن تُمارس داخل جمعيات مدنية، بل ارتبطت بالسياق النبوي.

لكن داخل الجماعة، وُجد نظام بيعتين:

  • بيعة علنية
  • بيعة سرية

البيعة السرية – كما وُصفت – تتم في أجواء طقسية: ظلام، قسم على المصحف والسلاح، وتعهد بالسمع والطاعة، مع إقرار بإباحة الدم في حال الخيانة.


عاشرًا: الطقوس السرية… تشابه مع الماسونية؟

تتضمن الطقوس السرية عناصر رمزية واضحة:
الانتقال من الظلام إلى النور، استخدام الدم كرمز، أداء القسم في أجواء مغلقة.

هذه العناصر تُقارن بطقوس الماسونية، التي تعتمد بنية مشابهة في الانتقال الرمزي من الجهل إلى المعرفة.


حادي عشر: خطاب 2012… عودة الرمزية

في خطاب الرئيس السابق محمد مرسي عام 2012، تكررت مفردات مثل "البناء" و"البنّائين العظام" بشكل لافت، ما يُقرأ كاستدعاء رمزي لهذا الإرث، خاصة مع التكرار العددي الذي يُربط برمزية الرقم خمسة.


خاتمة: ما بين الوقائع والتأويل

هذه القراءة لا تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بل تقدم محاولة لإعادة تركيب الصورة من خلال ربط خيوط متعددة: النسب، والذاكرة الشعبية، واللغة، والرموز، والطقوس.

في النهاية، تبقى الأسئلة مفتوحة:
هل نحن أمام سردية تاريخية مخفية؟
أم أمام تأويلات تبحث عن أنماط في التفاصيل؟

لكن المؤكد أن فهم نشأة جماعة الإخوان المسلمين لا يكتمل دون التوقف عند هذه الزوايا، مهما كانت مثيرة للجدل.


وسام المصري رئيس التحرير
وسام المصري
رئيس التحرير

نرجو مراعاة أداب التواصل

أحدث أقدم

نموذج الاتصال