إيران والسباق النووي: هل باتت القنبلة مسألة وقت؟

 في قلب السجال الدولي حول البرنامج النووي الإيراني، يبرز سؤال تقني بامتياز لكنه محمّل بأبعاد سياسية حادة: إلى أي مدى باتت طهران قريبة فعلياً من امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي؟

في إيران، تقلّصت الفجوة الزمنية الفاصلة بين البرنامج المدني والقدرة العسكرية

تقديرات الخبير الأميركي تيد بوستول، الأستاذ الفخري في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، تضيف بعداً مقلقاً لهذا النقاش. فامتلاك إيران نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% لا يُعد مجرد إنجاز تقني، بل يضعها عملياً على عتبة المرحلة الأخيرة نحو مستوى التخصيب العسكري، في حال اتُخذ القرار بذلك.

سياسياً، يتزامن هذا التقدم مع تجدد الضغوط الأميركية. فقد اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن أي اتفاق جديد مع إيران يجب أن يتجاوز اتفاق عام 2015 (JCPOA)، الذي انسحبت منه واشنطن عام 2018. وفي هذا السياق، يبقى مطلب وقف تخصيب اليورانيوم بالكامل في صلب الموقف الأميركي، مقابل إصرار إيراني على أن البرنامج ذو طبيعة مدنية بحتة.

من اليورانيوم الخام إلى الوقود النووي

اليورانيوم عنصر ثقيل ومشع يوجد طبيعياً في الأرض، وتتركز غالبية إنتاجه العالمي في دول مثل كازاخستان وناميبيا وأستراليا وأوزبكستان. غير أن استخدامه في المجال النووي يتطلب سلسلة طويلة من المعالجات الكيميائية.

احتياطيات اليورانيوم العالمية (بالطن)
الدولة الاحتياطي
🇦🇺 أستراليا
3.6 مليون طن
🇰🇿 كازاخستان
2.9 مليون طن
🇨🇦 كندا
1.7 مليون طن
🇷🇺 روسيا
1.2 مليون طن
🇳🇦 ناميبيا
1 مليون طن
🇿🇦 جنوب أفريقيا
994 ألف طن
🇧🇷 البرازيل
921 ألف طن
🇳🇪 النيجر
794 ألف طن
🇨🇳 الصين
674 ألف طن
🇺🇿 أوزبكستان
367 ألف طن

تبدأ هذه العملية بتحويل الخام إلى ما يُعرف بـ"الكعكة الصفراء"، ثم إلى مركبات وسيطة وصولاً إلى سداسي فلوريد اليورانيوم (UF₆)، وهو الشكل الغازي الذي يُستخدم في أجهزة الطرد المركزي. لاحقاً، يمكن إعادة تحويل المادة إلى مسحوق ثم إلى حبيبات وقود تُستخدم في المفاعلات النووية.

كيف تتم عملية التخصيب؟

يتكون اليورانيوم الطبيعي أساساً من نظيرين: U-238 وU-235، والأخير هو القابل للانشطار النووي. لذلك، تهدف عملية التخصيب إلى زيادة نسبة هذا النظير.

تتم العملية عبر أجهزة طرد مركزي تدور بسرعات هائلة، ما يسمح بفصل النظائر وفق الكتلة. ومع أن كل جهاز يحقق نسبة فصل محدودة، إلا أن ربط آلاف الأجهزة ضمن سلاسل متتالية يتيح الوصول إلى مستويات تخصيب مرتفعة.

مستويات التخصيب: الفارق بين الطاقة والسلاح

التمييز هنا حاسم:

  • 3% إلى 5%: للاستخدامات المدنية، خصوصاً في توليد الطاقة.
  • أقل من 20%: يُصنّف كـ"يورانيوم منخفض التخصيب".
  • أكثر من 20%: يدخل ضمن "عالي التخصيب".
  • نحو 90%: المستوى المطلوب لصناعة سلاح نووي.

المفارقة أن الجزء الأكثر تعقيداً زمنياً وتقنياً يتم في المراحل الأولى. فالوصول من اليورانيوم الطبيعي إلى 20% يتطلب جهداً أكبر بكثير من الانتقال من 60% إلى 90%.

كم تستغرق إيران للوصول إلى القنبلة؟

هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية. فبحسب بوستول، فإن إيران أنجزت فعلياً الجزء الأصعب من عملية التخصيب. ومع امتلاكها مخزوناً كبيراً بنسبة 60%، فإن رفع النسبة إلى 90% قد لا يستغرق سوى أسابيع قليلة، وليس سنوات.

اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن أي اتفاق جديد مع إيران يجب أن يتجاوز اتفاق عام 2015

ويُقاس هذا الجهد بوحدات العمل الانفصالي (SWU). فبينما استغرق الوصول إلى 60% آلاف الوحدات وعلى مدى سنوات، فإن الانتقال إلى مستوى السلاح يتطلب جزءاً محدوداً من هذا الجهد.

الأهم أن البنية التحتية موجودة بالفعل. إذ تمتلك إيران أجهزة طرد مركزي متطورة من طراز IR-6، إلى جانب آلاف الأجهزة الأقدم، ما يمنحها قدرة مرنة على تسريع التخصيب. كما أن جزءاً من هذه المنشآت محصن تحت الأرض، ما يعقّد أي محاولة لاستهدافها عسكرياً.

هل يمكن إخفاء المرحلة النهائية؟

وفق التقديرات نفسها، لا تحتاج المرحلة الأخيرة من التخصيب إلى منشآت ضخمة. إذ يمكن تشغيل سلاسل من أجهزة الطرد المركزي في مساحات محدودة نسبياً، ما يفتح الباب أمام تنفيذ العمليات بعيداً عن أعين الرقابة.

ولا يتوقف الأمر عند التخصيب، إذ يتطلب إنتاج سلاح نووي تحويل اليورانيوم إلى معدن وتصميم رأس حربي. غير أن هذه المراحل، رغم تعقيدها، لا تُعد عائقاً كبيراً مقارنة بعملية التخصيب نفسها.

الاتفاق النووي والانهيار التدريجي للقيود

في عام 2015، وافقت إيران ضمن الاتفاق النووي (JCPOA) على تقييد برنامجها وخفض مستوى التخصيب إلى 3.67%. لكن انسحاب الولايات المتحدة عام 2018 أعاد خلط الأوراق، ودفع طهران إلى التراجع عن التزاماتها تدريجياً، وصولاً إلى رفع مستوى التخصيب إلى 60%.

ومنذ ذلك الحين، تعثرت محاولات إحياء الاتفاق، وسط خلافات حول العقوبات وآليات الالتزام، فيما بقي منع إيران من امتلاك سلاح نووي خطاً أحمر ثابتاً في السياسة الأميركية.

الانتشار النووي في العالم

تشير تقديرات حديثة إلى أن العالم يضم أكثر من 12 ألف رأس نووي، تتركز غالبيتها لدى الولايات المتحدة وروسيا. ورغم بعض الجهود لتقليص الترسانات، فإن دولاً أخرى، مثل الصين، تعمل على توسيع قدراتها.

في المقابل، تبقى حالات التخلي عن السلاح النووي نادرة، كما حدث في جنوب أفريقيا التي أنهت برنامجها بالكامل في نهاية الثمانينيات.

خلاصة

المسألة لم تعد مرتبطة بامتلاك التكنولوجيا، بل بسرعة استخدامها. ومع وصول إيران إلى مستوى تخصيب مرتفع، تقلّصت الفجوة الزمنية الفاصلة بين البرنامج المدني والقدرة العسكرية إلى حد غير مسبوق. وبينما تستمر المفاوضات والضغوط، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ما زال بالإمكان احتواء هذا المسار، أم أن نقطة التحول باتت أقرب مما يُعتقد؟

نرجو مراعاة أداب التواصل

أحدث أقدم

نموذج الاتصال