هل دخل لبنان فعلاً مرحلة “الهدنة”، أم أنه يعيش فقط نسخة مؤقتة من الحرب؟
في الجنوب، تتوسع الغارات والإنذارات الإسرائيلية رغم تمديد وقف إطلاق النار، وفي الداخل اللبناني يتصاعد الانقسام حول السلاح والتفاوض والسيادة، بينما تتحول الهدنة نفسها إلى مساحة اشتباك سياسي وأمني مفتوح على احتمالات أخطر.
هدنة بلا سلام.. وقواعد اشتباك متحركة
مع دخول التمديد الجديد لاتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ، تتكشف معادلة ميدانية مختلفة عن أي هدنة تقليدية. فالاتفاق لا يعني توقف العمليات بالكامل، بل يتيح لإسرائيل مواصلة استهداف ما تصفه بالبنية العسكرية لحزب الله داخل نطاقات محددة جنوب الخط الأصفر.
هذا الواقع عزّز فكرة “الهدنة المشروطة”، حيث يستمر القصف الانتقائي بالتوازي مع مسار تفاوضي تقوده واشنطن، في وقت تؤكد فيه الدولة اللبنانية تمسكها بأولوية الانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين وانتشار الجيش اللبناني.
لكن المقاربة الإسرائيلية، كما تعكسها تصريحات وتحليلات متداولة داخل الأوساط السياسية والأمنية، تقوم على فصل واضح بين الدولة اللبنانية وحزب الله، عبر تقديم الحزب كهدف عسكري مستقل خارج أي تفاوض سياسي مباشر.
إنذارات جديدة جنوباً.. والهدنة تتآكل
التوتر الميداني عاد ليتصاعد سريعاً بعدما أنذر الجيش الإسرائيلي سكان 12 قرية وبلدة في جنوب لبنان بالإخلاء الفوري، متهماً حزب الله بخرق اتفاق وقف إطلاق النار.
وجاءت الإنذارات بالتزامن مع غارات واسعة طالت عدة مناطق جنوبية، بينما أعلن حزب الله تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة ضد مواقع إسرائيلية في شمال إسرائيل، إضافة إلى استهداف قوات إسرائيلية داخل قرى حدودية.
هذا التصعيد كشف هشاشة الهدنة الحالية، خصوصاً أن التمديد الأخير جاء بعد جولة ثالثة من المحادثات في واشنطن برعاية أميركية، وسط غياب أي ضمانات فعلية تمنع العودة إلى التصعيد الشامل.
بيروت خارج القصف.. لكن ليس خارج المعادلة
واحدة من أكثر النقاط حساسية تتمثل في الحديث عن أن تجنب استهداف بيروت لا يرتبط بالتزام ثابت، بل بحسابات سياسية وأمنية قابلة للتبدل.
هذا الطرح يعكس أن توسيع العمليات العسكرية أو تقليصها يبقى قراراً مرتبطاً بالتطورات الميدانية والتفاوضية، وليس جزءاً من ضمانات صلبة داخل الهدنة نفسها.
وبالتالي، فإن غياب الضربات عن العاصمة اللبنانية لا يُقرأ كاستقرار دائم، بل كجزء من إدارة عسكرية مرنة قد تتغير مع أي تطور ميداني أو سياسي.
اتفاق 1949 يعود إلى الواجهة
في خضم التصعيد، عاد الحديث بقوة عن اتفاق الهدنة اللبناني الإسرائيلي لعام 1949 باعتباره المرجعية القانونية الأساسية لأي مسار تفاوضي جديد.
ويستند المدافعون عن هذا الاتفاق إلى أن خط الهدنة يتطابق مع الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين، ما يمنح لبنان مرجعية قانونية معترفاً بها دولياً في أي مفاوضات مستقبلية.
كما يُنظر إلى الاتفاق بوصفه “وثيقة سيادية” يجب حماية مضمونها، خصوصاً مع المخاوف من أي محاولات لتعديل الوقائع الحدودية بفعل الحرب أو فرض خطوط أمنية جديدة مثل “الخط الأصفر”.
أزمة داخلية أعمق من الحرب
بعيداً عن الجبهة الجنوبية، تبدو الأزمة اللبنانية أكثر تعقيداً في الداخل. فالانقسام حول سلاح حزب الله، وقرار الحرب والسلم، وطبيعة التفاوض مع إسرائيل، تحوّل إلى مواجهة سياسية مفتوحة تهدد ما تبقى من التوازن الداخلي.
وتتزايد التحذيرات من أن استمرار هذا الانقسام يضعف الموقف اللبناني في أي مفاوضات، ويرفع كلفة أي تسوية محتملة.
كما أن المخاوف لا تتعلق فقط بالحرب، بل أيضاً بما بعدها: إعادة الإعمار، التمويل الدولي، والانهيار الاقتصادي المستمر، في وقت تتنافس فيه ملفات غزة وسوريا على اهتمام المانحين الدوليين.
إيران وحزب الله.. فصل الساحات أم استمرار الاشتباك؟
الملف الإيراني يبقى حاضراً بقوة داخل المشهد اللبناني. فهناك اتجاه سياسي وأمني متصاعد يدفع نحو “فصل الساحات”، أي منع ربط وقف إطلاق النار في لبنان بأي تفاهمات إقليمية مرتبطة بطهران.
في المقابل، يواصل حزب الله التأكيد أن المواجهة مرتبطة بالتطورات الإقليمية وبالصراع الأوسع في المنطقة، ما يجعل أي تهدئة طويلة الأمد رهينة توازنات تتجاوز الحدود اللبنانية نفسها.
ومع استمرار المواجهات المحدودة والغارات والردود المتبادلة، تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى “إدارة حرب منخفضة الوتيرة” منها إلى اتفاق استقرار دائم.
تحليل: لبنان أمام أخطر مرحلة تفاوضية
المشهد الحالي يكشف أن لبنان لا يواجه فقط تحدي وقف النار، بل أزمة تعريف الدولة نفسها.
فالاشتباك لم يعد عسكرياً فقط، بل بات يدور حول أسئلة أكثر حساسية:
من يملك قرار الحرب؟ من يفاوض؟ وما حدود السيادة اللبنانية في ظل توازنات السلاح والضغوط الإقليمية؟
وفي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن دفع مسار تفاوضي أمني–سياسي، تبدو الساحة اللبنانية منقسمة بين من يرى أن تفكيك نفوذ حزب الله شرط للاستقرار، ومن يعتبر أن الضغوط العسكرية والسياسية تهدف إلى فرض وقائع جديدة على لبنان بالقوة.
هذا الانقسام يجعل أي اتفاق مستقبلي هشاً، خصوصاً أن الجنوب لا يزال ساحة مفتوحة، والداخل اللبناني يعيش حالة إنهاك سياسي واقتصادي غير مسبوقة.
أهم النقاط
- تمديد وقف إطلاق النار لم يمنع استمرار الغارات والتصعيد جنوب لبنان.
- إسرائيل تواصل سياسة الاستهداف الانتقائي ضد حزب الله ضمن قواعد اشتباك جديدة.
- إنذارات الإخلاء الأخيرة كشفت هشاشة الهدنة الحالية.
- اتفاق هدنة 1949 عاد كمرجعية قانونية أساسية في النقاشات السياسية.
- الانقسام الداخلي حول السلاح والتفاوض يهدد الموقف اللبناني.
- ملف إيران وحزب الله يبقى عاملاً حاسماً في مستقبل التهدئة.
